المواطنة نيوز.
محمد تامر
احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق بالدار البيضاء، يومي 27 و28 مارس 2026، أشغال المؤتمر الدولي الأول للغات والثقافات ونقل المعرفة، تحت شعار: “اللعب والتطبيق العملي لأساليب الألعاب في العصر الرقمي: قضايا ثقافية واجتماعية ولغوية وتعليمية”، بمشاركة باحثين وخبراء من المغرب وخارجه، في تظاهرة علمية سلطت الضوء على التحولات العميقة التي يشهدها مجال التعليم في ظل الثورة الرقمية.
وقد أجمع المشاركون على أهمية اعتماد سياسات تعليمية واستراتيجيات مؤسساتية حديثة تستثمر إمكانات “اللعب” بوصفه مدخلاً مبتكراً للتعلم، من خلال إدماج التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، في تطوير التجربة التعليمية وجعلها أكثر تفاعلية ونجاعة.
وفي هذا السياق، أكد مدير مختبر أبحاث التمايز الأنثروبولوجي والهويات الاجتماعية، زكرياء القادري، أن اللعب لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح “حقيقة اجتماعية شاملة” تعكس تحولات المجتمع المعاصر، وتشكل فضاءً لتحليل الديناميكيات الثقافية والهوية وأنماط إنتاج المعرفة. وأبرز أن بيئات الألعاب الرقمية تحولت إلى مختبرات حقيقية لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وأساليب التعبير الرمزي، خاصة مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي كفاعل مؤثر في إنتاج المعنى والسرديات.
ومن زاوية تاريخية، أشار المتدخلون إلى أن ممارسات اللعب، سواء في أشكالها التقليدية كالحكايات والألغاز، أو في صيغها الحديثة كالسرديات التفاعلية، ظلت عبر العصور أداة أساسية لنقل المعرفة وبناء القيم، وهو ما يمنحها اليوم مشروعية قوية للاندماج في النماذج التربوية المعاصرة.
من جهتها، أوضحت الأستاذة نادية كعواس أن توظيف أساليب الألعاب في مجالات غير ترفيهية، مثل التعليم والعمل والمواطنة، أدى إلى بروز نموذج جديد للمتعلم/المستخدم، الذي يخضع بشكل مستمر لمنطق التحفيز والتقييم داخل بيئات رقمية منظمة، وهو ما يطرح تحديات أخلاقية واجتماعية مرتبطة بالحوكمة الخوارزمية وتكافؤ الفرص.
كما أكدت أن الألعاب الجادة والبيئات الافتراضية الغامرة تتيح فرصاً واعدة لاكتساب المهارات، خصوصاً في تعلم اللغات والتواصل، غير أن هذه الإمكانات تظل رهينة بتجاوز عدد من الإشكالات، من بينها الفجوة الرقمية، والتحيزات الخوارزمية، والتمثيلات النمطية داخل الفضاءات الرقمية.
وشكل المؤتمر، المنظم بشراكة مع مؤسسات أكاديمية وطنية ودولية، منصة علمية متعددة التخصصات جمعت بين مجالات اللغويات والأدب والعلوم الرقمية وعلوم التربية والاتصال، بهدف دراسة اللعب ليس فقط كأداة تعليمية، بل كفاعل اجتماعي وثقافي وسياسي يساهم في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات.
وفي كلمته الافتتاحية، شدد عميد الكلية عبد الإله بركسي على أهمية هذا اللقاء العلمي في تعزيز الابتكار التربوي وتحديث أساليب التعليم العالي، مبرزاً أن موضوع اللعب والتطبيق العملي أصبح اليوم رافعة أساسية لتجديد الممارسات التعليمية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. كما أشار إلى أن تنظيم هذا المؤتمر يتزامن مع الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس الكلية، في دلالة على استمرار إشعاعها العلمي وتكوينها لأجيال من الكفاءات.
بدوره، أكد الأستاذ الإسباني فيرخيليو مارتينيز إنامورادو من جامعة مالقة أن اللعب شكل عبر التاريخ وسيلة فعالة لنقل القيم والمعارف، مستعرضاً الأبعاد الثقافية لممارسات اللعب في الأندلس، ومبرزاً أهمية استثمار هذا التراث في بناء مقاربات تعليمية حديثة تجمع بين الأصالة والابتكار.
وفي مداخلة لها، دعت عواطف حيار، الرئيسة السابقة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى إعادة التفكير في أدوار الفاعلين التربويين، خاصة الأسرة، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، مؤكدة أن إدماج آليات اللعب في التعليم يمكن أن يعزز انخراط المتعلمين وأسرهم، ويساهم في تحقيق تعليم أكثر إنصافاً وشمولية.
وخلصت أشغال المؤتمر إلى أن مستقبل التعليم في العصر الرقمي يمر حتماً عبر توظيف مقاربات مبتكرة، تجعل من اللعب وسيلة فعالة لبناء المعرفة، وتؤسس لنموذج تربوي جديد قائم على التفاعل، والإبداع، والذكاء التكنولوجي.
اللعب يتحول إلى أداة تعليمية ذكية: مؤتمر دولي بعين الشق يرسم ملامح مدرسة المستقبل في العصر الرقمي


















