السيادة الاقتصادية: المنظمات المهنية أمام لحظة الحسم

المواطنة نيوز3 أبريل 2026آخر تحديث :
السيادة الاقتصادية: المنظمات المهنية أمام لحظة الحسم

المواطنة نيوز

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة إعادة تشكيل عميقة. سلاسل القيمة، التكتلات، مفاهيم السيادة: كل شيء يعاد تعريفه. وفي خضم هذا التحول، فإن الدول التي لا تعمل على تنظيم جهازها الإنتاجي، ولا تعزز قاعدتها الصناعية، ستجد نفسها خاضعة بشكل دائم لاختيارات الآخرين. يمتلك المغرب مؤهلات مهمة، وقد أثبت قدرته على الصمود.
لكن عليه اليوم أن ينتقل إلى مرحلة جديدة: مرحلة خلق القيمة. فالقيمة لا تُفرض بقرار، بل تُبنى. وتُبنى أولًا في الصناعة. هناك تتحدد القدرة على التحكم في سلاسل الإنتاج، وهناك تنتشر التكنولوجيا، وهناك تتحقق الارتقاء في الجودة. وهناك أيضًا تُخلق فرص الشغل المستدامة، وتتكرس السيادة الاقتصادية.
وفي هذا الجانب تحديدًا، يقف المغرب عند نقطة تحول حاسمة. فإما أن يعزز مساره عبر تقوية جهازه الإنتاجي، أو يكتفي براحة نسبية قد تؤدي به إلى التراجع. والتجارب الاقتصادية الحديثة واضحة: الدول التي تنجح هي تلك التي يتحمل فيها القطاع الخاص دوره بالكامل، ليس كرد فعل، بل بروح استباقية.
في هذا السياق، تصبح المنظمات الممثلة للقطاع الخاص مطالبة بالتطور. فالاتحاد العام لمقاولات المغرب، وهو على أبواب استحقاق جديد، يجد نفسه معنيًا مباشرة بهذا التحول. ويأتي هذا الموعد في لحظة ينبغي فيها أن تتجاوز المنظمة دورها كفضاء للتعبير، لتصبح فاعلًا حقيقيًا في التغيير. لم يعد النقاش بين اتحاد للتدبير واتحاد للتمثيل، بل أصبح بين اتحاد يواكب واتحاد يدفع ويقود.
غير أن الترشيحات المطروحة اليوم لا تعكس بالكامل هذه الحاجة. ليس بسبب نقص في الكفاءات الفردية، بل بسبب تصور الدور. فهذا الثنائي يعبر عن ثقافة التوازن والتوافق ومرافقة الواقع القائم. بينما الدفع الحقيقي لا يولد من توافق ضعيف، بل من قدرة على إنتاج رؤية استشرافية مستقلة، تؤثر في السياسات العمومية بدل أن تكتفي بالتكيف معها. المرحلة تتطلب شيئًا آخر: رؤية واضحة، تجربة عملية في خلق القيمة، معرفة دقيقة بآليات الإنتاج. لم يعد المطلوب تمثيل أرباب العمل، بل توجيههم نحو المستقبل. ولم يعد الهدف مجرد التأثير، بل تحديد الاتجاه.
ما الذي يُنتظر اليوم من القطاع الخاص المنظم؟
أن يكون قادرًا على تحديد وجهة الاقتصاد المغربي، لا الاكتفاء بوصف وضعه الحالي. وأن يحمل استراتيجية صناعية واضحة، لا مجرد مطالب قطاعية.
وتندرج هذه المتطلبات بشكل كامل ضمن الرؤية التي ما فتئ يدعو إليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والتي تؤكد على ضرورة بروز قطاع خاص أكثر انخراطًا، وأكثر إنتاجية، ومساهمًا فعليًا في تنمية البلاد.
لقد فتحت منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية مرحلة جديدة. فقد اختارت إفريقيا أن تنظم نفسها، وأن تعزز تجارتها الداخلية، وأن تقوي قواعدها الإنتاجية. وعلى المغرب أن يستثمر هذا الإطار لبناء جيل جديد من الشراكات على مستوى القارة. لكن لتحقيق ذلك، يجب أن يثبت نفسه كشريك صناعي موثوق، قادر على تقديم قدرات إنتاجية ومعايير وخبرات. وهذا يتطلب منظمات قادرة على التفكير بمنطق الإنتاج، وبمنطق البناء المشترك على المستوى القاري، وعلى إعداد النسيج المقاولاتي المغربي، خصوصًا المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لمواجهة هذه البيئة التنافسية الجديدة.
هذه الدينامية لا يمكن أن تتحقق من خلال منظمة واحدة فقط. بل تتطلب تنسيقًا بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، والفيدراليات، ومؤسسات المواكبة، حول طموح إنتاجي مشترك.
المقاولات الصغيرة والمتوسطة ليست قطاعًا ثانويًا، بل هي الحلقة الأولى في صمود الاقتصاد، والخزان الأساسي لفرص الشغل المستدامة. ويجب أن تتحول إلى أولوية استراتيجية حقيقية، لا مجرد شعار في الخطابات.
وبالمثل، ينبغي إعادة التوازن إلى علاقاتنا مع أوروبا، وفتح آفاق جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية، ليس في إطار التشتت، بل ضمن استراتيجية مدروسة لتوسيع الأسواق. وهذا يتطلب مستوى أعلى من الالتزام بالمعايير والجودة والامتثال. فالتنافسية لم تعد تقوم فقط على التكلفة، بل على القدرة على كسب الثقة. ويجب أن تُفهم المعايير كأداة للقوة الاقتصادية ووسيلة لتعزيز السيادة، لا كقيد إداري فقط.
لكن في قلب هذا التحول، تبقى مسألة الاستثمار هي الأساس. فقد حدد النموذج التنموي الجديد توجهًا واضحًا: جعل الاستثمار الخاص محرك النمو. وهذا يتطلب تغيير التوازنات الحالية، وتحرير المبادرات، وتوضيح الأدوار. فالدولة تؤطر وتوجه وتنظم، بينما ينتج القطاع الخاص ويستثمر ويبتكر. ولكي يصبح هذا القطاع محركًا فعليًا للتنمية، عليه أن يتحمل مسؤولية المخاطرة والابتكار. كما يجب أن يرى نفسه كفاعل استراتيجي، وأن يحمل طموحًا واضحًا، وأن ينظر إلى المستقبل بثقة.
وهذا يفرض أيضًا قول الحقيقة. فلا يمكن لمنظمة مثل الاتحاد العام لمقاولات المغرب أن تكتفي بدور الناطق باسم المصالح الفئوية. بل يجب أن تمتلك الشجاعة لكشف ما يعرقل المنافسة والإنتاجية.
فالإعفاءات الضريبية، خاصة في القطاع الفلاحي، لم يعد من الممكن تجاهلها. فهي تشوه قواعد المنافسة، وتضر بالقطاعات المنفتحة، وتؤخر تطور الاقتصاد ككل. يجب التمييز بوضوح بين ما هو ممكن الاستمرار فيه، وما لم يعد مقبولًا. ويجب مخاطبة الدولة بلغة صريحة، وكذلك مخاطبة المقاولين أنفسهم. لأن اقتصادًا تنافسيًا لا يُبنى على امتيازات غير مفحوصة.
لهذا السبب، فإن المسؤوليات المقبلة داخل هذه المنظمات لا يمكن التعامل معها كمسألة توازنات داخلية فقط. بل يجب أن تُسند إلى شخصيات قادرة على فهم الصناعة والتنافسية والأسواق، ليس كمراقبين، بل كفاعلين. شخصيات لا تنتظر توجيهات الدولة، بل تقترح وتبني وتقود. شخصيات قادرة على قول الحقيقة دون حسابات ضيقة. المرحلة تتطلب قطيعة، لا استمرارية. وتتطلب منظمة تُغيّر، لا منظمة تُدير فقط.
السؤال اليوم بسيط:
هل نريد منظمات اقتصادية في مستوى طموحات البلاد، أم هياكل تعكس فقط توازناتها الداخلية؟
يمتلك المغرب كل المقومات للنجاح. لكنه لن ينجح إلا إذا خرج قطاعه الخاص من منطقة الراحة. فالتاريخ لا يذكر من اكتفوا بإدارة الواقع، بل من امتلكوا الجرأة لتحقيق التحول. المسألة ليست مسألة أشخاص، بل مسألة طموح جماعي. ويجب أن يكون النقاش في هذا المستوى، لا أقل ولا غير ذلك

الأخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق