مرشحو الرئاسة في تونس أمام امتحان التلفزيون… ومحمد علي شغل الناس عن «عزيز مصر»!

المواطنة نيوز13 سبتمبر 2019آخر تحديث : منذ 5 سنوات
المواطنة نيوز
أقلام وآراءسلايدر
مرشحو الرئاسة في تونس أمام امتحان التلفزيون… ومحمد علي شغل الناس عن «عزيز مصر»!

الطاهر الطويل… يكتب


نجح التلفزيون التونسيّ في إقامة مناظرات تلفزيونية بين المُرشَّحِين للانتخابات الرئاسية في البلاد، التي ستجري خلال منتصف الشهر الجاري. واندرجت هذه التجربة غير المسبوقة عربيًّا في سياق التمرين الديمقراطي الذي تشهده «بلاد الزيتونة»، حيث أمكن المُشاهدين التعرّف مباشرةً على تصوّرات المتنافسين للمشهد السياسي المحليّ والدوليّ، وكذا اقتراحاتهم للارتقاء بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ونظرتهم لبعض القضايا الشائكة، مثل قضية الحريات الفردية وغيرها…
من الناحية الشكلية، حالفَ التوفيق المناظرات التلفزيونية التي حملت اسم «الطريق إلى قرطاج»، في إشارة إلى القصر الرئاسي التونسي؛ أولاً لأنها طبّقت مبدأ تكافؤ الفرص أمام كل المرشّحين من أجل بسط أفكارهم أمام الرأي العام ومحاولة إقناعه، وثانيًا لإخضاع المداخلات إلى تدقيق تقنيّ يُتيح ضبطَ كلامِ كـلّ مُتحدّث، وفق توقيتٍ زمنيّ محدّد بشكل مُتساوٍ بين الجميع، وثالثًا لاستعانة التلفزيون التونسي بكلّ من «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» و»الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري» وعدْل مُنفّذ، في الإشراف على البرنامج، وعلى قُرعة توزيع الأسئلة بين المُرشَّحين، وتحديد قواعد المداخلات وميثاقها، والاتفاق على طريقة طرح الأسئلة من طرف الصحافيين المكلّفين بإدارة الحوار.
كان مفيدًا جدًّا، إذنْ، تقديم كل المُرشَّحين مُرافعاتهم أمام الملأ ودفاع كلّ واحد منهم عن مشروعه الانتخابي، وكان مُفيدًا أيضًا خضوعهم لنوع من المباراة أو الامتحان، وذلك للقطع مع العادة العربية التي كانت تقول: إنّ الطريق إلى أعلى هرم في السلطة يمرّ غالبًا عبر الانقلابات والتحالف مع العسكر، أو عبر التوريث من الأب إلى الابن. ومن ثمّ، يبقى الحاكمُ العربيّ ـ عادةً ـ خارج كل مُحاسبة أو مساءلة… حتى إذا انتقل إلى القبر، بطريقة أو بأخرى، وَجد نفسه وجهًا لوجه أمام أسئلة «نكير» و»مُنكِر» التي لا مَفرّ منها!
لا عيب إذن في الاقتداء بمن سبقونا في مجال التمرين الديمقراطي، ورسّخوه تعاقدًا واضحًا وصريحًا وعمليًّا بين الحاكمين والمحكومين. ويشهد التاريخ للولايات المتحدة الأمريكية كونها أول بلد أَحْدثَ المناظرة التلفزيونية بين المرشّحين للانتخابات الرئاسية، كان ذلك عام 1960، بين المُرَشَّحَيْن: الديمقراطي جون كينيدي، والجمهوري ريتشارد نيكسون؛ قبل أن تنتقل المناظرات التلفزيونية إلى البلدان الأوربية، حيث غدت بمثابة مقياس أساس لصعود شعبية مُرشَّح ما وتراجعها لدى مُرشّح آخر.
في الحالة التونسية، كان طبيعيًّا أن تكتنف التجربة بعض الأخطاء، رُبّما بسبب حداثتها، أو بسبب عدم الاستفادة ـ بما يكفي ـ من تجارب الآخرين. لذلك، بَـدَا المُرشَّحون للانتخابات الرئاسية خلال المناظرة التلفزيونية أشبه ما يكونون بطلبة يجيبون على أسئلة أساتذة في امتحان شفاهي، كما أنّ أسئلة الصحافيين كانت تُطرَح بطريقة آلية وجامدة. ومن ثمّ، خلت المناظرات من التفاعل ومن حرارة النقاش، ولم يكن للجمهور الحاضر في بلاتو التلفزيون أي دور أو تأثير، خلافًا لما يقع في المناظرات الغربية، إذ يجري رصد ردود فعل الجمهور وانطباعاته حول المداخلات. وعمومًا، مرّت المناظرات التونسية باردة وأقرب إلى الحوار التلفزيوني العادي جدًّا، باستثناء لحظة دخول عدْل مُنفّذ إلى «بلاتو» المناظرة مباشرة على الهواء لمعالجة «مخالفة» قام بها أحد المُرشّحين حينما استعان بوثائق وهاتف محمول، وهو ما يتعارض مع قانون المناظرة. وبذلك، كسّر هذا المشهد ـ لبعض الوقت ـ رتابة الحوار و»برودة» الأسئلة!

سودان السلام والحرية والعدالة

بيد أن المُشاهدين العرب استمتعوا بمناظرة تلفزيونية من نوع خاص، كان لقناة «الجزيرة مباشر» قصب السبق في تنظيمها منذ ثلاثة أيام، حيث أجرت حوارًا مباشرًا مع أربعة وزراء من حكومة ما بعد الثورة في السودان، بحضور ومشاركة شباب وشابات من هذه الثورة المجيدة.
يتعلق الأمر بوزير الثقافة والإعلام المتحدث الرسمي باسم الحكومة، ووزيرة الشباب والرياضة، ووزير الشؤون الدينية والأوقاف، ووزير التربية والتعليم؛ إذْ ووجهوا بأسئلة دقيقة وجريئة من طرف الصحافي الذي أدار الحوار، وأيضًا أسئلة تلك العيّنة من شباب الثورة، حول التصورات المتعلقة بالمشهد السياسي في السودان وآفاق العمل الحكومي.
ومن أقوى لحظات المناظرة التلفزيونية للوزراء السودانيين تَعَهُّـدُ وزير الثقافة والإعلام بعدم مصادرة حرية الرأي والتعبير، حيث قال: «لن أغلق أي صحيفة، ولن أمنع أيّ كاتب من الكتابة، لأن ذلك يتناقض مع شعار الثورة: حرية، سلام، عدالة». وأوضح أنّ مَـن يُعارض الثورة سيُواجَه بخطاب إعلامي ثوري، مشيرًا إلى أنّ عددًا كبيرًا من رؤساء تحرير الصحف السودانية ضدّ خطّ الثورة.
كما انتقد الوزير التلفزيون السوداني الذي يبثّ برامج وفقرات تُسيء إلى الثورة، حيث ورد في إحداها وصف الثوار بخفافيش الظلام. وقال: إذا كان هؤلاء خفافيش، فأنا إذن واحد منهم، لأنني شاركت في الثورة. وتفادى الوزير الإجابة على سؤال حول ما إذا كان سيقدم توصية إلى رئيس الوزراء بشأن إقالة مدير التلفزيون الذي يعارض الثورة، مكتفيًا بالقول: سيحدث تغيير على مستوى قيادات الإعلام وسياسته ومنهجه.
واضحٌ، إذنْ، أنّ مدة ساعة وربع التي استغرقتها المناظرة التلفزيونية لأعضاء من الحكومة السودانية الجديدة دليل على أن فجرًا جديدًا أطلّ على بلاد «كنداكة» (أيقونة الثورة السودانية)، ومعه تعاظمت الطموحات والأماني التي يتعيّن تجسيدها على أرض الواقع، حتى لا يتكرّر ما وقع في ثورات عربية أخرى أُجهضتْ خلال الشهور الأولى.

«عليّ وعلى أعدائي»!

ممثل مغمور ورجل أعمال مغمور أيضًا، لكنّه صار اليوم نجم القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي، لأنه جرؤ على اقتحام المنطقة المحظورة في الكلام العربي: منطقة توجيه تهم ثقيلة للحاكم، تُزلزل لها الأرض وترعد لها السماء، إذا كانت صحيحة وليست مجرد مزاعم!
اسمه محمد علي، استيقظ ذات صباح وهو خارج بلده مصر، فبَـدَا كمن انتابته صحوة ضمير (والله أعلم ماذا به)، وأشعل الكاميرا، ثم صار يبثّ فيديوهات يكيل فيها تهم الفساد للرئيس المصري ولمن يدور في فلكه من عائلة ومستشارين وعسكريين. وتلقفت بعض القنوات العربية تلك الفيديوهات، لتجعل منها قصصًا مُغرية للمُشاهدين، دون تحرّي صدقها من كذبها. بينما هدّد الإعلامُ المصريّ المعنيَ بالأمر بالويل والثبور وعظائم الأمور، مُتّهمًا إيّاه بالانتماء إلى جماعة «الإخوان المسلمين». أكثر من ذلك، ارتأى الإعلاميُّ أحمد موسى، المعروف بدفاعه المستميت عن عبد الفتاح السيسي، اللعب على الجانب العاطفي، فاستضاف في ثرثرته التلفزيونية والدَ محمد علي الذي تبرأ ممّا يفعل ابنه من إساءات للجيش و»للريس»، ملتمسًا منه العودة إلى بلده وبيته وأهله، وتقديم اعتذار علني للقيادتين السياسية والعسكرية وللشعب المصري كافّة.
دموع والد محمد علي وتوسّلاته وعبارات التمجيد في حق السيسي والعسكر تعني أن الرجل مغلوبٌ على أمره، ولا يمكن أن يفعل أكثر من ذلك؛ خاصة أمام اعترافات ابنه بالانغماس في بركة الفساد من خلال معاملاته الاقتصادية مع الإدارات والمؤسسات والشركات. وكأنّ محمد علي، وهو يكيل ادّعاءات ثقيلة تحتاج إلى براهين، يُردّد المقولة الشهيرة: «عليَّ وعلى أعدائي»!
أخوفُ ما يُخافُ منه، أن تُنسي سيرةُ محمد علي ـ الجديد ـ الناسَ عن سيرة «مؤسس مصر الحديثة» الذي لُـقّب أيضًا بـ«عزيز مصر»، وكان يحمل اسم: محمد علي باشا!

 كاتب مغربي

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الأخبار العاجلة