أرقام…PISA 2025 تكشف واقع المدرسة المغربية …..وإصلاح (الريادة ) امام امتحان المستقبل

المواطنة نيوز11 سبتمبر 2026آخر تحديث :
أرقام…PISA 2025 تكشف واقع المدرسة المغربية …..وإصلاح (الريادة ) امام امتحان المستقبل

المواطنة نيوز
محمد تامر
مرة أخرى، تضع الأرقام المدرسة المغربية أمام مرآة دولية لا تجامل أحداً. فقد كشفت نتائج دورة 2025 من البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA عن استمرار صعوبة التحكم في عدد من التعلمات والكفايات الأساسية لدى التلاميذ المغاربة، في وقت لم يكن فيه المغرب وحده أمام هذا التحدي، بعدما سجلت نتائج عدد من الأنظمة التعليمية عبر العالم بدورها منحى تنازلياً مقارنة بدورة 2022.

وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة، بالنظر إلى أن PISA لا يختبر مجرد قدرة التلميذ على استرجاع المعلومات، وإنما يقيس مكتسبات المتعلمين البالغين 15 سنة في ثلاثة مجالات أساسية: الرياضيات، والثقافة العلمية، والفهم القرائي، إضافة إلى مجال التعلم في العالم الرقمي الذي شكل محوراً خاصاً في دورة 2025. أما العينة المغربية، فقد ضمت تلاميذ المؤسسات التعليمية العمومية بالتعليم الثانوي الإعدادي التي لم تكن منخرطة، آنذاك، في مشروع «مؤسسات الريادة».

وبالأرقام، حصل التلاميذ المغاربة على 358 نقطة في العلوم، و355 نقطة في الرياضيات، و321 نقطة في الفهم القرائي. وإذا كانت هذه الأرقام تكشف استمرار الفارق مع المعدلات الدولية، فإن المقارنة مع نتائج المغرب في دورة 2022 تكشف بدورها عن تراجع في المجالات الثلاثة؛ إذ فقدت الرياضيات 10 نقاط، منتقلة من 365 إلى 355 نقطة، بينما سجل الفهم القرائي أكبر تراجع، بـ18 نقطة، من 339 إلى 321 نقطة، في حين انخفضت العلوم بـ7 نقاط، من 365 إلى 358 نقطة.

لكن الصورة ليست مغربية فقط. فالمشهد الدولي نفسه عرف تراجعاً لافتاً، إذ انخفض متوسط بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بـ9 نقاط في الرياضيات، من 472 إلى 463 نقطة، وبـ15 نقطة في القراءة، من 476 إلى 461 نقطة، فيما تراجعت العلوم بـ3 نقاط، من 485 إلى 482 نقطة. وهو ما يجعل نتائج PISA 2025 جزءاً من سياق دولي أوسع يعكس تحديات مشتركة تواجه المدرسة في عدد من بلدان العالم.

وفي خضم هذه الصورة، تبرز العلوم باعتبارها نقطة مضيئة نسبياً في الأداء المغربي. فقد حقق التلاميذ أفضل نتائجهم في هذا المجال، خصوصاً في مكون تقييم أساليب البحث العلمي الذي بلغ 369 نقطة، إلى جانب 357 نقطة في كل من تقييم المعلومات العلمية والعلوم البيئية. كما سجل مكونا النمذجة والبرمجة 374 و369 نقطة على التوالي، وهي مؤشرات تتيح إبراز بعض مكامن القوة التي يمكن البناء عليها في مسار تطوير التعلمات.

غير أن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن المسار الذي قطعه التلاميذ الذين خضعوا للاختبار قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة. فجيل PISA 2025 لم يكن من جيل «مؤسسات الريادة». هؤلاء التلاميذ تابعوا مسارهم الدراسي في ظل النموذج التربوي السابق، ولم يستفيدوا من نموذج «مؤسسات الريادة» لا في التعليم الابتدائي ولا في التعليم الإعدادي. لذلك، فإن نتائج هذه الدورة تعكس بالأساس مستوى التعلمات والكفايات التي راكموها في إطار النموذج السابق، ولا يمكن اعتبارها حكماً على نتائج الإصلاح التربوي الجاري تنزيله في إطار خارطة الطريق 2022–2026.

وهنا تحديداً تبرز أهمية الرهان الجديد الذي اختارته المنظومة التعليمية: معالجة التعثر قبل أن يكبر. فالبلاغ يلفت إلى أن الصعوبات التي تظهر لدى التلميذ في سن الخامسة عشرة لا تبدأ بالضرورة في المرحلة الإعدادية، وإنما قد تكون امتداداً لتعثرات في التعلمات الأساسية بدأت منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، قبل أن تتراكم وتنتقل من مستوى دراسي إلى آخر.

ومن ثم، يبدو أن معركة تحسين نتائج المغرب في التقييمات الدولية تبدأ من مكان أبعد بكثير من سن الخامسة عشرة؛ إنها تبدأ من القسم الدراسي الأول، ومن قدرة الطفل على القراءة والحساب وبناء أساس متين للتعلم. وهذا ما يفسر جعل التعليم الابتدائي في صلب الإصلاح الحالي، ووضع التحكم في التعلمات الأساسية وتشخيص التعثرات ومعالجتها في وقت مبكر ضمن مرتكزات نموذج «مؤسسات الريادة».

المرحلة المقبلة، إذن، ستكون مرحلة قياس الأثر. فنجاح أي إصلاح لا يحسمه حجم البرامج أو عدد المؤسسات المستفيدة، وإنما، ما يحدث فعلياً داخل القسم: هل أصبح التلميذ يقرأ بشكل أفضل؟ هل تحسن تحكمه في الرياضيات؟ هل أصبح أكثر قدرة على توظيف المعرفة العلمية؟ وهل استطاعت المدرسة أن توقف سلسلة التعثرات قبل أن تتحول إلى فجوات يصعب ردمها؟

وفي هذا السياق، يبرز رهان مواصلة وتسريع تعميم نموذج «مؤسسات الريادة» في السلكين الابتدائي والإعدادي، بالتوازي مع تعزيز الدعم والمعالجة التربوية، وملاءمة المضامين البيداغوجية، وتوفير التكوينات الميدانية والموارد الديداكتيكية والرقمية، وتقوية التأطير والمواكبة وتحسين بيئة التعلم.

ومع ذلك، فإن إصدار حكم نهائي على أثر هذا النموذج في نتائج المغرب داخل PISA سيكون سابقاً لأوانه. فالتلاميذ الذين استفادوا فعلياً من «مؤسسات الريادة» يحتاجون إلى بلوغ السن التي تخول لهم المشاركة في هذا التقييم حتى يصبح بالإمكان قياس الأثر الكامل للإصلاح على موقع المغرب في PISA.

وبين أرقام تحمل الكثير من الأسئلة وإصلاح يحمل الكثير من الانتظارات، تبدو الرسالة الأبرز لنتائج PISA 2025 واضحة: المعركة الحقيقية ليست مع ترتيب المغرب في جدول دولي، وإنما مع مستوى التعلمات داخل الفصل الدراسي. فإذا نجحت المدرسة في تمكين الطفل من القراءة والرياضيات والعلوم منذ سنواته الأولى، ومعالجة تعثراته قبل أن تتراكم، فإن تحسن النتائج الدولية لن يكون سوى انعكاس طبيعي لتحسن ما هو أهم: جودة التعلم ومستقبل المتعلم المغربي.

الأخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق