بقلم : ذ.محمد بوفتاس
لا توجد أمة نهضت وهي تخشى التفكير، ولا حضارة صنعت مجدها وهي تعتبر العقل خصمًا للإيمان. ولعل واحدة من أكبر المعضلات التي عاشها الفكر العربي والإسلامي خلال قرون طويلة هي أنه حوّل العقل، الذي يفترض أن يكون أداة للفهم والاكتشاف، إلى متهم دائم يحتاج إلى تبرئة كلما حاول أن يقترب من النص أو من التراث. وبين لحظة ازدهار العقل في بعض محطات التاريخ، ولحظة انكماشه تحت سلطة التقليد، برزت مشاريع فكرية كبرى حاولت أن تعيد إليه مكانته، كان من أبرزها مشروع ابن رشد، ثم مشروع محمد عابد الجابري، ثم مشروع محمد شحرور. ورغم اختلاف الأزمنة والمناهج، فإن الثلاثة كانوا يخوضون، في جوهر الأمر، المعركة نفسها: معركة تحرير العقل.
عندما دافع ابن رشد عن الفلسفة لم يكن يدعو إلى استبدال الدين بالعقل، كما حاول خصومه تصويره، بل كان يرى أن العقل هبة إلهية، وأن منحه للإنسان لا يمكن أن يكون عبثًا. فإذا كان مصدر الوحي هو الله، ومصدر العقل هو الله أيضًا، فكيف يمكن أن يتناقض الاثنان؟ لذلك انتهى إلى نتيجة جريئة مفادها أن التعارض الحقيقي لا يكون بين العقل والنص، وإنما بين العقل وبعض طرق فهم النص. ومن هنا جاءت فكرة التأويل، لا باعتبارها التفافًا على الدين، بل باعتبارها محاولة لإنقاذ النص من القراءة الحرفية التي قد تصطدم بالبرهان.
بعد قرابة ثمانية قرون، لم يعد محمد عابد الجابري منشغلًا بإثبات شرعية العقل، بقدر ما أصبح منشغلًا بسؤال أكثر عمقًا: لماذا تعثر العقل العربي نفسه؟ لماذا ظل عاجزًا عن إنتاج نهضة حديثة رغم امتلاكه تراثًا فكريًا ضخمًا؟ بالنسبة للجابري، المشكلة لم تكن في غياب الذكاء، ولا في نقص النصوص، وإنما في البنية التي تشكل داخلها العقل العربي عبر التاريخ. لقد ورث أنماطًا من التفكير جعلته أسير البيان والعرفان، بينما تراجع التفكير البرهاني الذي يمثل المنهج العقلي النقدي. ولذلك لم يكن مشروعه مجرد دعوة إلى استعمال العقل، بل إلى نقد العقل نفسه، والكشف عن آليات اشتغاله، وتحريره من القيود التي صنعتها قرون من التراكمات الفكرية.
أما محمد شحرور فقد اختار طريقًا مختلفًا. لم يبدأ من التراث، ولم يجعل همه الأساسي نقد بنية العقل العربي، وإنما عاد مباشرة إلى القرآن، متسائلًا: هل ما نعتبره اليوم دينًا هو القرآن فعلًا، أم هو حصيلة قراءات بشرية تراكمت عبر التاريخ حتى اكتسبت قداسة لم يمنحها لها النص نفسه؟ بالنسبة لشحرور، فإن القرآن نص مفتوح على كل الأزمنة، بينما التفسير نتاج عصره وظروفه وثقافته. ولذلك دعا إلى قراءة جديدة تستفيد من اللسانيات الحديثة ومن العلوم الإنسانية ومن تطور المعرفة، معتبرًا أن كل جيل يمتلك الحق، بل الواجب، في أن يفهم القرآن وفق أدواته المعرفية، ما دام ملتزمًا بالنص نفسه، لا بالقراءات التاريخية للنص.
ورغم اختلاف منطلقات هؤلاء الثلاثة، فإن الخيط الذي يجمع بينهم يكاد يكون واحدًا. كلهم رفضوا أن يتحول التراث إلى سلطة فوق النقد، وكلهم آمنوا بأن الإنسان مسؤول عن تشغيل عقله، وكلهم اعتبروا أن الجمود الفكري ليس فضيلة، بل أحد أسباب التخلف. غير أن كل واحد منهم حدد موضع المشكلة بطريقة مختلفة؛ فابن رشد رأى أن الأزمة تكمن في سوء فهم العلاقة بين العقل والوحي، والجابري رأى أنها تكمن في بنية العقل العربي نفسها، بينما رأى شحرور أنها تكمن في احتكار تفسير النص الديني وتحويل الاجتهادات البشرية إلى حقائق نهائية.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع في أنها لم تقدم أجوبة نهائية، بل أعادت فتح الأسئلة التي أغلقها التقليد. لقد ذكّرتنا بأن التفكير ليس ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا لبقاء المجتمعات حية، وأن النصوص الكبرى لا تخاف من الأسئلة، وإنما تخاف منها العقول التي اعتادت أن تعيش داخل الإجابات الجاهزة.
إن معركة العقل لم تنتهِ مع ابن رشد، ولم تُحسم مع الجابري، ولم تُغلق مع شحرور. إنها معركة متجددة، لأن كل عصر ينتج أشكالًا جديدة من الجمود، ويحتاج في المقابل إلى أشكال جديدة من التحرر الفكري. وما دام الإنسان قادرًا على السؤال، فإن العقل سيظل يطالب بحقه في أن يكون شريكًا في فهم العالم، لا مجرد شاهد صامت على ما أنتجه السابقون.
كيف يصبح العقل العربي مشروعًا لتحرير الإنسان؟


















