المواطنة نيوز – هشام الشكاري
في عصرٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية امتداداً لأيدينا، ووسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار لدى شريحة واسعة من المجتمع، لم يعد الوصول إلى المعلومة تحدّيا، بل أصبح التحقق من صحتها هو التحدي الحقيقي. فبضغطة زر واحدة، يمكن لخبرٍ زائف أو صورة مفبركة أن تنتشر كالنار في الهشيم، مخلّفةً آثاراً نفسية واجتماعية وإعلامية قد تكون خطيرة.
لقد قربت التكنولوجيا الرقمية المسافات وكسرت احتكار المعلومة، لكن في المقابل فتحت الباب على مصراعيه أمام الشائعات والأخبار المضللة. لم يعد كل من ينشر خبراً صحفياً، ولا كل من يملك صفحة أو قناة رقمية إعلامياً محترفاً. هذا الواقع جعل المتلقي أمام سيل من المحتويات المتناقضة، يصعب أحياناً التمييز فيها بين الصحيح و الخطأ
فالأخبار الكاذبة لا تقتصر على السياسة أو الأحداث الكبرى، بل تمتد إلى الصحة، الاقتصاد، الأمن، وحتى الحياة اليومية. خبر صحي غير دقيق قد يدفع أشخاصاً إلى اتخاذ قرارات خطيرة، وإشاعة أمنية قد تزرع الخوف والهلع، ومعلومة مغلوطة قد تسيء إلى أشخاص أو مؤسسات دون وجه حق. الأخطر من ذلك أن سرعة التداول غالباً ما تسبق التفكير، فيتحول المواطن العادي إلى ناقل للشائعة دون قصد.
لم يعد الصحفي وحده مسؤولاً عن المعلومة، بل أصبح كل مستعمل للمنصات الرقمية شريكاً في صناعة الرأي العام. فالمشاركة، الإعجاب، أو إعادة النشر ليست أفعالاً بريئة دائماً، بل قد تُسهم في توسيع دائرة التضليل. من هنا تبرز أهمية الوعي الرقمي، الذي يجعل المواطن يتوقف لحظة قبل النشر، ويسأل:
من هو مصدر هذا الخبر؟
هل نشرته جهات موثوقة؟
هل يحمل صيغة تهويل أو إثارة مبالغاً فيها؟
لهذا و رغم انتشار الأخبار الزائفة، فإن التكنولوجيا نفسها وفّرت أدوات فعالة للتحقق، مثل البحث العكسي عن الصور، مقارنة الأخبار بين وسائل إعلام متعددة، الرجوع إلى البلاغات الرسمية، أو متابعة منصات متخصصة في تدقيق الحقائق. استعمال هذه الأدوات لم يعد حكراً على الصحفيين، بل أصبح متاحاً لكل مستخدم واعٍ.
فيجب على المؤسسات الإعلامية الجادة ان تقوم بدور محوري في هذا السياق، عبر الالتزام بأخلاقيات المهنة، والتحقق من المصادر، وتفادي السبق الصحفي على حساب الدقة. فالمصداقية اليوم هي رأس المال الحقيقي للإعلام، وأي تساهل في نقل المعلومة قد يفقد المؤسسة ثقة جمهورها.
فلا بد من التحري عن صحة المعلومة و هذا ليس ترفاً فكرياً، بل هو سلوك حضاري ومسؤولية أخلاقية. فمجتمع واعٍ رقمياً هو مجتمع أقل عرضة للتضليل، وأكثر قدرة على حماية استقراره الفكري والاجتماعي.
وفي الختام، يمكن القول إننا في زمن لا يُقاس فيه الوعي بسرعة الوصول إلى الخبر، بل بقدرتنا على التمييز بين الحقيقة والزيف. فليس كل ما يُنشر يُصدَّق، وليس كل ما يُتداول حقيقة.
في العصر الرقمي، الحكمة ليست أن تكون أول من ينشر، بل أن تكون أول من يتحقق.


















