من قداسة الفهم إلى فقر المعنى: مأزق الفقه الإسلامي المعاصر

المواطنة نيوز28 يناير 2026آخر تحديث :
من قداسة الفهم إلى فقر المعنى: مأزق الفقه الإسلامي المعاصر

المواطنة نيوز

بقلم : ذ.محمد بوفتاس
إعادة بناء الفقه الإسلامي لم تعد مسألة ترف فكري أو نقاشًا نخبويًا معزولًا عن واقع الناس، بل أصبحت ضرورة تاريخية وأخلاقية في زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتتعقّد فيه التحولات، بينما يظل الخطاب الفقهي في كثير من تجلياته أسير قوالب قديمة عاجزة عن الفهم والاستيعاب. إن الأزمة التي يعيشها الفقه اليوم ليست أزمة نصوص، بل أزمة عقول تعاطت مع النص بوصفه كيانًا مكتملًا خارج الزمن، لا بوصفه خطابًا مفتوحًا على التأويل والتجدد. هكذا تحوّل الفقه من فعل اجتهادي حي إلى منظومة تكرار، ومن أفق للتفكير إلى جهاز لإعادة إنتاج اليقين المغلق.
لقد نشأ الفقه في لحظته الأولى باعتباره جهدًا بشريًا لفهم الوحي في سياقه التاريخي والاجتماعي، وكان العقل هو أداته المركزية، لا بوصفه نقيضًا للنص، بل شريكًا له في الفهم. غير أن هذا العقل جرى تحييده تدريجيًا، لا خوفًا على الدين، بل خوفًا من نتائجه. فالعقل يسأل، ويقارن، ويعيد النظر، وهذه الأفعال كانت دائمًا مزعجة للسلطات الرمزية التي وجدت في الجمود ضمانًا للاستمرار. وهكذا تمّ اختزال العقل في وظيفة الشرح لا النقد، والتفسير لا التأويل، والحفظ لا الإبداع، ففقد الفقه قدرته على التفاعل مع التحولات العميقة التي عرفها الإنسان والمجتمع.
إن رد الاعتبار للعقل داخل الفقه لا يعني استيراد نماذج فكرية جاهزة ولا القطيعة مع المرجعية الدينية، بل يعني الاعتراف الصريح بأن كل فهم للنص هو فهم بشري، مشروط بالزمان والمكان والسياق، وقابل للمراجعة والتجاوز. إن الخطر الحقيقي على الدين لا يكمن في استعمال العقل، بل في تعطيله، لأن النص حين يُنزَع من أفق التفكير يتحول إلى أداة هيمنة بدل أن يكون مصدر هداية. فالعقل ليس عدو الإيمان، بل شرطه الأخلاقي، وبدونه يصبح التدين عادة اجتماعية أو ولاءً أعمى لا تجربة روحية واعية.
ومن هنا تبرز ضرورة رفض التقليد الذي جرى تقديمه طويلاً باعتباره وفاءً للتراث، بينما هو في العمق تجميد له. فالتراث الفقهي ليس نصًا مقدسًا، بل تاريخ من المحاولات البشرية لفهم الدين في سياقاتها الخاصة. تقديس هذه المحاولات لا يحفظها، بل يقتلها، لأن الفكر لا يحيا إلا بالحوار والنقد والتجاوز. إن الوفاء الحقيقي للتراث يكمن في استئناف روحه الاجتهادية، لا في تكرار نتائجه، وفي امتلاك الجرأة على السؤال كما امتلكها من سبقونا، لا في الاحتماء بإجاباتهم الجاهزة.
أما الاتباعية العمياء، فهي الوجه الأخطر لهذه الأزمة، لأنها لا تكتفي بتعطيل العقل، بل تصادر حرية الإنسان باسم الدين. في ظل هذه الذهنية، يصبح التفكير جريمة، والاختلاف فتنة، والسؤال علامة ضعف إيمان. ويتحول الفقه إلى منظومة أوامر ونواهٍ منفصلة عن المعنى، ويُختزل التدين في الطاعة لا في الفهم، وفي الانضباط لا في المسؤولية. غير أن الإيمان الذي لا يمر عبر الوعي إيمان هش، سريع التحول إلى تطرف أو نفاق، لأن ما لم يُفهم لا يمكن أن يُعاش بصدق.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الفقه دون مواجهة صريحة لظاهرة التطرف والإقصاء، ليس باعتبارهما انحرافًا عرضيًا، بل نتيجة منطقية لقراءة مغلقة للنص وللعالم. فالتطرف لا يولد من الدين، بل من ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية كاملة، وتحويل الفقه إلى أداة فرز أخلاقي وعقائدي بين الناس. والفقه الذي يُقصي ويُكفّر ويُضيّق أفق الرحمة، يفقد جوهره الإنساني، لأن مقاصده العليا لم تكن يومًا نفي الإنسان، بل حمايته وصون كرامته.
إن الفقه الذي يستحق أن يُعاد بناؤه اليوم هو فقه يعترف بالاختلاف باعتباره قدرًا إنسانيًا لا خللًا يجب القضاء عليه، ويجعل من المقاصد الأخلاقية بوصلة للاجتهاد، لا من الحرف الجامد قيدًا للفهم. فالقيم الكبرى كالعدل والحرية والكرامة والمصلحة ليست شعارات حديثة دخيلة، بل هي روح التشريع ذاته، وإن تغيّرت لغات التعبير عنها. وحين ينفصل الفقه عن هذه القيم، يفقد مبرر وجوده، ويتحول إلى عبء أخلاقي على المجتمع بدل أن يكون قوة تنظيم وإنصاف.
إن إعادة بناء الفقه الإسلامي، في جوهرها، ليست عودة إلى الماضي ولا قطيعة معه، بل هي مصالحة شجاعة مع الحاضر واستعداد مسؤول للمستقبل. هي انتقال من فقه الخوف إلى فقه الثقة، من وهم اليقين المطلق إلى تواضع البحث عن المعنى، ومن سلطة الجواب النهائي إلى أخلاق السؤال المفتوح. فالدين لا يُحفظ بالتحصين ولا بالتكلّس، بل بالحيوية الفكرية، ولا يُنصر بالإقصاء، بل بقدرته على ملامسة الإنسان في قلقه وأسئلته وتناقضاته. ذلك وحده فقه يمكنه أن يكون شاهدًا على العصر، لا عبئًا عليه، ومصدر معنى، لا أداة صراع.

الأخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق